مما لا ريب فيه أن المنظومة القانونية المغربية المتعلقة بمادة المال و الأعمال شهدت تطورا ملحوظا منذ بداية العشرية الأخيرة من القرن الماضي , بحيث عرفت ولادة نصوص قانونية جديدة همت مختلف المجالات و الميادين المرتبطة بمادة الأعمال , بل يلاحظ أنه تم استصدار نصوص قانونية قريبة في مبادئها من تلك السارية في العديد من الدول الغربية .
و يظل الهدف منها بطبيعة الحال هو تجاوز المشاكل و الثغرات التي أصبحت تثيرها تلك النصوص القانونية التي كانت مطبقة سلفا , و التي طالها التقادم , هذا من جهة و من جهة ثانية هو محاولة مسايرة التوجه العالمي الحديث الهادف بالدرجة الأولى إلى تشجيع الاستثمار و المبادرة الخاصة و تحسن مناخ الأعمال , و تقوية الضمانات و الميكانيزمات
الكفيلة بحماية مختلف المصالح المرتبطة بالمقاولة , و لعله في هذا الإطار يندرج صدور المدونة التجارية لسنة 1996 و التي جاءت بمجموعة من المستجدات و المضامين المتعلقة بالحياة التجارية بصفة عامة , و نخص بالذكر في هذا المجال , الكتاب الخامس المتعلق بصعوبات المقاولة الذي شكل عن حق طفرة نوعية في المنطق و المنهجية التي أصبح يتعامل بها المشرع مع المقاولات التي تعرف صعوبات اجتماعية و مالية و قانونية .
و هكذا فقد تم الانتقال من النظرة السوداوية الضيقة المبنية على سوء نية رؤساء المقاولة و على النظرة المصلحية للدائنين إلى نظرة تعتمد على التشخيص و الدراسة و التحليل المالي و التجاري و الاجتماعي للمقاولة و لإمكانيتها و قدرتها على استرجاع عافيتها و لنوعية و تصرفات مسيرها .
فبعد أن كانت الكثير من التشريعات قد ركزت في مرحلة أولى على معاقبة و زجر التاجر الذي لا ينفذ التزاماته و خاصة المالية مع دائنيه ثم في مرحلة ثانية حاولت هذه التشريعات التركيز على حماية الدائنين لكن و في مرحلة أخيرة و هي التي يجسدها الكتاب الخامس عن حق اهتمت بالدرجة الأولى بالإبقاء على حياة المقاولة التي تستحق الإنقاذ .
و من أبرز خصائص الصعوبات التي تعترض المقاولة في هذا المجال , هو التعقيد و الخصوصية و الخطورة , و تظهر هذه الخصائص في أن كل مقاولة تعتبر بمثابة حلقة داخل شبكة من العلاقات التجارية و الاقتصادية و المالية , و في هذا الإطار يرى بعض الفقه أنه (( لا يوجد حل معجزة بالنسبة لجميع الصعوبات و لا حل نموذجي موحد لوضعية معقدة و حرجة و لا يمكن للمقاولة أن تكون بمنأى عنها , إذ أن كل وضعية تشكل في الحقيقة حالة خاصة تتطلب حلا ملائما للاستراتيجية المتبعة من طرف المقاولة و لبنيتها و المناخ الاقتصادي الذي تمارس فيه نشاطها )) .
و على هذا الأساس جاء نظام صعوبات المقاولة بطابعه الحمائي , بنظرة اقتصادية و شمولية للمقاولة يشهد تدخل مجموعة من الفاعلين , و لعل القضاء التجاري أصبح له دور ريادي في هذا المجال , فالمشرع خول للمحكمة التجارية مجموعة من الاختصاصات , تهدف بالدرجة الأولى إنقاذ المقاولة و الحفاظ عليها داخل النسيج الاقتصادي الوطني , سواء على مستوى مساطر الوقاية , فيمكن لرئيس المحكمة التجارية أن يتدخل بصفة تلقائية بعد فشل الوقائية الداخلية , أو على مستوى مساطر المعالجة و التصفية القضائية التي تلعب فيها محكمة المسطرة و القاضي المنتدب الدور الأساس في مختلف مراحل هذه المساطر , و هذا يتطلب بالضرورة أن يكون القاضي التجاري إضافة إلى كونه رجل قانون فيجب عليه أن يتعامل مع المقاولة بمنطق اقتصادي ذو نظرة حقوقية .
في هذا الإطار جاءت هذه الندوة التي نظمها نادي الشباب القانوني بكلية الحقوق بطنجة بشراكة مع ماستر المهن القانونية و القضائية , لأجل تدارس و تقييم و تتبع التطبيق القضائي لنظام صعوبات المقاولة , و معرفة الإشكالات العملية التي تعتريه قصد الوصول في نهاية المطاف إلى حلول جدية من أجلها المساهمة في حل هذه الإشكالات.
فهذه الندوة تندرج ضمن البرنامج الطموح الذي يطمح إليه نادي الشباب القانوني , و تتمثل أهداف هذه الندوة في ما يلي :
- تعزيز التكوين القانوني لطلبة القانون في مادة المال و الأعمال .
- ربط طالب القانون بالواقع العملي الذي تطبق فيه القاعدة القانونية .
- محاولة طرح الإشكالات العملية التي يعرفها التطبيق القضائي لنظام صعوبات المقاولة و الخروج بحلول حول الموضوع.




0 التعليقات:
إرسال تعليق